الرجل الذي فقد اسمه
تحكي الشاعرة سيلڤيا بلاث في سيرتها الذاتية عن أمر عذبها كثيرًا، وهو حين تم سؤالها "ماذا تريد أن تصبح؟"، تهاوت على الكرسي وغرقت في أفكارها، لإنها ببساطة، أرادت أن تكون كل شيء، أو على الأقل أكثر من شيء واحد يمكن تحديده ووصفه بكلمة واحدة.
وهكذا كانت " آمنة" بطلة رواية دعاء الكروان، أكثر من أن يمكن وصفها بكلمة أو جملة قصيرة حتى، وذلك لكونها تنقلت من كونها ريفية ساذجة إلى خادمة في المدينة وبعدها صديقة لابنة المأمور ورفيقة لها في تلقي الدروس التعليمية، وبعدها أُم وملاك حارس لأختها "هنادي"، لتتفاعل مع مقتلها وتتحول إلى الفتاة المتمردة، صاحبة الرغبة المحمومة في الانتقام، والفضولية لاستكشاف الحب، ذلك الأمر الخطير الذي سلبها أختها، وحين تتذوقه، وتنهل من العاطفة، تطغى عليها مشاعرها لتصبح الحبيبة، الرقيقة، الرحيمة، الذكية، للباش مهندس وفي للنهاية تصبح زوجته.
وذلك عكس باقي شخصيات الرواية، واللاتي لم يتطور أيًا منها.
ولذلك كان الكروان وآمنة، كلاهما بطلًا للرواية، لإن كلاهما كانا ذكيًا، حرًا، جميلًا وقويًا.
ولم تكن آمنة نسوية، لقد كانت فقط امرأة ذكية، وشجاعة، ولذلك لم تسقط بسهولة في شباك المهندس مِثل اختها التي لم يحالفها الحظ لتلقي نفس تعليم وخبرة آمنة.
لماذا تم سلب الباشمهندس من اسمه؟
في رواية طه حسين، يُمثل المهندس الرجل المثالي، مثقف، غني لبق، وصاحب مظهر أنيق. وفي الخفاء، رجل دنس، متلاعب، يسرق من العذراوات شرفهن بلا مبالاة.
ولذلك _في رأيي_ لم يستحق أن يمتلك اسمًا، لإنه كان يمثل حالة، فئة، يراها المجتمع ويتغاضى عن أثرها، بل ويتقبلها وربما يمكنه أن يحبها، ويتسامح معها، رغم اسهام أغلبها بشكل أو بآخر في فقدان الكثير من الفتيات مثل هنادي شرفهن، وحياتهن.
في الرواية، لم تقتل آمنة المهندس، وذلك لم يكن بفعل الحب وحده، بل اشترك معه العقل، والحكمة التي اكتسبتها آمنة من خلال مرورها بتجربة فقدها لأختها، وتعليمها على يد ابنة المأمور، والتي تعلمت منها القيمة الحقيقة للنفس البشرية، وأن الدماء لا تُسفك بسهولة، ولا يتم هدر الروح، بل الأولى انقاذها، وتقبل ضعفها، وتنقيتها من خطيئتها، ولذلك لم تحاول آمنة قتل خالها، الرجل الجشع والقاتل الحقيقي لأختها، ولا الانتقام من والدتها، البدوية الحمقاء، التي ألقت ببنتها إلى التهلكة، ولم تحاول تطهيرهم، لإن كلاهما فقد انسانيته في عينها.
ولم يكن الدهاء، الرغبة أو الجمال وحدهم سبب حب المهندس لآمنة، إنما ساعدهم إنعكاس برائتها الفطرية، وروحها النقية، ثقافتها وذكائها، وعاطفتها الجياشة على إضافة روح لروحه، وطهارة لنفسه الملوثة بالشهوة والاستهتار، آمنة تمثل المياه التي ارتوت بها بذرة الخير داخل المهندس، لتكبر، وتنضج، وتصبح الشخص الذي من المفترض أن يكونه الرجل المثقف، المتعلم، الشريف.
في رواية طه الحسين الرائعة، رأيت الجوهر الذي يدعو إليه الإسلام، وهو أن جميع الشهوات وأكثرها إلحاحًا، يمكن كبحها، سواء رغبة الإنتقام لدى آمنة، أو رغبة الجسد لدى المهندس وذلك عند وجود عزيمة قوية لدى النفس البشرية
وأيضًا ذكرتني رواية دعاء الكروان، برواية الحب المحرر لفرنسين ريڤرز، والتي تدور أحداثها حول إنقاذ رجل عفيف، لفتاة ليل، ومحاولاته المستمرة لتوفير حياة هنيئة لها حتى لا تعود لعملها السابق، بسبب إيمانه القوي بالنقاء والخير داخلها وداخل أية نفس بشرية في المطلق، وعن كيفية استجابتها له، لذلك الحب، الذي أخرجها من الظلمات إلى النور، ومن الدنس إلى تكريس كل جهدها لإنقاذ مزيد من الفتيات من حياة الدعارة.
الحب، كان حاضرًا بقوة في كلتا الروايتين، وكان له أثره في الشخصيات التي تلقته، نهلت منه، وغمرها كاملةً، فنقاها، وجعل للرغبة معنى أسمى وأكثر حميمية، وللغفران مساحة أكبر، وللتغيير قوة وانتصار على الإنتقام الخاوي من المعنى والتأثير.
والحب في كلتاهما أيضًا يحمل معنى أعمق وأكبر من أن يفهمه أغلبية الناس، ولذلك مثلًا نرى تبديل نهاية الفيلم المصري لتجسيد الرواية بنهاية يتم فيها سفك مزيد من الدماء، لا لشيء إلا لإراحة عقل المجتمع الذي يشتهي الإنتقام، الذي ستكون فاتن حمامة أرق وأجمل من أن تقوم به.
في نظري، أي شخص يحمل داخله أشباحه السوداء، وأفكار قاتمة، ورغبات جامحة، وربما يؤدي كل ذلك لأخطاء كبيرة، لكن مازالت هناك سعة داخل روح الانسان في الحين للحب وولحاجة لرفيق لينقذه، وللحبيب ليتقبله، ليستطيع بعدها أن يسامح نفسه وينطلق من جديد في الحياة، بنفس طاهرة، وبروح خفيفة مثل الكروان، تغرد وتغني وتنشر مزيدًا من الحب.
جميل جميل جميل وقلمك ممتع كالعادة❤️🌻
ReplyDeleteشكرا شكرا شكرا
Delete